الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

11

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والكلام وإن كان إخبارا عنهم فإنهم المقصودون به فالردع موجه إليهم بهذا الاعتبار . والمعنى : إبطال الاختلاف في ذلك النبأ وإنكار التساؤل عنه ذلك التساؤل الذي أرادوا به الاستهزاء وإنكار الوقوع ، وذلك يثبت وقوع ما جاء به النبأ وأنه حق لأن إبطال إنكار وقوعه يفضي إلى إثبات وقوعه . والغالب في استعمال كَلَّا أن تعقّب بكلام يبيّن ما أجملته من الردع والإبطال فلذلك عقبت هنا بقوله : سَيَعْلَمُونَ وهو زيادة في إبطال كلامهم بتحقيق أنهم سيوقنون بوقوعه ويعاقبون على إنكاره ، فهما علمان يحصلان لهم بعد الموت : علم بحق وقوع البعث ، وعلم في العقاب عليه . ولذلك حذف مفعول سَيَعْلَمُونَ ليعمّ المعلومين فإنهم عند الموت يرون ما سيصيرون إليه فقد جاء في الحديث الصحيح « إن الكافر يرى مقعده فيقال له هذا مقعدك حتى تبعث » ، وفي الحديث : « القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار » وذلك من مشاهد روح المقبور وهي من المكاشفات الروحية وفسر بها قوله تعالى : لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ [ التكاثر : 6 ، 7 ] . فتضمن هذا الإبطال وما بعده إعلاما بأن يوم البعث واقع ، وتضمن وعيدا وقد وقع تأكيده بحرف الاستقبال الذي شأنه إفادة تقريب المستقبل . ومن محاسن هذا الأسلوب في الوعيد أن فيه إيهاما بأنهم سيعلمون جواب سؤالهم الذي أرادوا به الإحالة والتهكم ، وصوروه في صورة طلب الجواب فهذا الجواب من باب قول الناس : الجواب ما ترى لا ما تسمع . [ 5 ] [ سورة النبأ ( 78 ) : آية 5 ] ثُمَّ كَلاَّ سَيَعْلَمُونَ ( 5 ) ارتقاء في الوعيد والتهديد فإن ثُمَّ لما عطفت الجملة فهي للترتيب الرتبي ، وهو أن مدلول الجملة التي بعدها أرقى رتبة في الغرض من مضمون الجملة التي قبلها ، ولما كانت الجملة التي بعد ثُمَّ مثل الجملة التي قبل ثُمَّ تعيّن أن يكون مضمون الجملة التي بعد ثُمَّ أرقى درجة من مضمون نظيرها . ومعنى ارتقاء الرتبة أن مضمون ما بعد ثُمَّ أقوى من مضمون الجملة التي قبل ثُمَّ ، وهذا المضمون هو الوعيد ، فلما استفيد تحقيق وقوع المتوعد به بما أفاده التوكيد اللفظي إذ الجملة التي بعد ثُمَّ أكدت الجملة